وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء الدولية ــ أبنا ــ أكد الدكتور سهيل أسعد، المبلغ الديني والناشط الإعلامي الأرجنتيني، أن فهم فكر القائد الشهيد لا يتحقق إلا من خلال إدراك سياقه الزماني والمكاني، واصفًا إياه بأنه «مهندس إزالة العوائق» الذي نجح في إدارة الإسلام المحمدي الأصيل داخل بيئة الجاهلية الحديثة دون أن يضيف إليه شيئًا، بل عبر إزالة العقبات التي حالت دون قيام الحضارة الإسلامية. كما أوضح أن «العقلانية في خدمة العدالة» و«المعنوية باعتبارها مصدر الطاقة للحركة» تمثلان المثلث الذهبي لفهم تراثه الفكري، مشددًا على أن الحفاظ على وحدة الأمة هو أعظم ما تركه للأجيال.
فهم الفكر في إطار الزمان والمكان
استهل الدكتور سهيل أسعد حديثه بتقديم التعازي في استشهاد قائد الثورة الإسلامية، وقال: أود أن أبدأ بمقدمة أرى أنها ضرورية لفهم فكر سماحة القائد وروحيته، وهي أن أي فكر أو سلوك أو تجربة معنوية لا يمكن تقييمها بعيدًا عن سياقها الزماني والمكاني.
وأوضح أن القائد الشهيد واجه ما سماه «الجاهلية الحديثة»، مبينًا أن الجاهلية هي المشروع الذي سعى أعداء الإسلام إلى إعادته منذ بعثة النبي الأكرم (ص) وحتى يومنا هذا. وأضاف أن القوى المعادية عملت خلال القرن الأخير، منذ عهد أتاتورك وحتى عدد من البلدان الإسلامية، على إعادة الأمة الإسلامية إلى الجاهلية من خلال تقويض بنيتها السياسية والتشريعية والحاكمة.
وأشار إلى حجم الأموال التي تُنفق في بعض الدول العربية لإنتاج محتوى إعلامي هابط، قائلًا: انظروا إلى واقع المجتمعات العربية اليوم؛ فهناك قنوات فضائية تُنفق عليها ملايين الدولارات لتصوير الإبل فقط، وهذا نموذج واضح للجاهلية الرسمية التي يصعب على الإنسان استيعابها.
فن القائد الشهيد: إزالة العوائق لا إضافة الجديد
وأكد أسعد أن الإسلام متجذر بطبيعته في وجدان الشعوب الإسلامية، موضحًا أن المسلمين يحملون الإسلام في فطرتهم، لكن الجاهلية المفروضة أقامت حواجز حالت دون تجسيده في صورة أمة وحضارة ودولة وثورة.
وقال إن عبقرية القائد الشهيد لم تكن في ابتكار شيء جديد، بل في إزالة هذه العوائق، إذ كان يؤمن بأن جميع مقومات بناء الحضارة الإسلامية موجودة، وأن المشكلة تكمن فقط في العقبات التي ينبغي تجاوزها.
وأضاف أن الثورة الإسلامية نفسها لم تغيّر جوهر الشعب الإيراني، بل أزالت الحواجز التي كانت تمنع ظهور قدراته الحقيقية.
هندسة المرحلة... من «التحرك التلقائي» إلى «جهاد التبيين»
وأوضح أسعد أن خطابات القائد الشهيد كانت مرتبطة دائمًا بمتطلبات المرحلة، فقال إن شعار «التحرك التلقائي» (آتش به اختیار) لم يُطرح في السنوات الأولى للثورة، وإنما في مرحلة اقتضت ظروفها ذلك، وكذلك مفهوم «جهاد التبيين» الذي جاء عندما أصبحت كل حقيقة تتعرض للتشويه وسوء التفسير.
وأضاف: كنا نخرج من لقاءات سماحته فنجد أن كلامه واضح ولا يحتاج إلى تأويل، لكن البعض كان يحمّله معاني لم يقصدها. فعندما قال إن دخول العلوم الإنسانية الغربية إلى الحوزة يشبه دخول فيروس الغرب إلى الدين، كان يقصد ذلك حرفيًا، إلا أن البعض حاول تفسير كلامه بغير مقصوده، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في كثرة القراءات والتأويلات غير المبررة.
مهندس لا فيلسوف
وأشار أسعد إلى ضرورة التمييز بين النظرة الفلسفية والنظرة الهندسية، مؤكدًا أن القائد الشهيد لم يكن فيلسوفًا بالمعنى التقليدي، بل كان مهندسًا يسعى إلى البناء.
وقال: لم يكن همه أن يُعرف بوصفه فيلسوف عصره أو أن يحظى بالتصفيق، بل كان يريد أن يبني منظومة متكاملة تبدأ بالثورة، ثم النظام، ثم الدولة، ثم المجتمع، وصولًا إلى الحضارة الإسلامية. وهذه الروح الهندسية هي أبرز صفاته الفكرية.
واستشهد بكلام الشهيد مرتضى مطهري الذي شبّه الفلسفة بمصباح ينير الظلمات لكنه لا يكفي وحده، موضحًا أن السؤال الأساسي عند القائد لم يكن: «كم أملك من الفكر؟» بل: «كيف أوظف هذا الفكر لبناء الواقع؟».
وأضاف أن التاريخ عرف علماء امتلكوا أفكارًا أعمق، لكنهم لم يعرفوا كيف يحولوها إلى مشروع حضاري.
بناء منظومة متكاملة للدين
وبيّن أسعد أن من أبرز خصائص القائد الشهيد قدرته على الربط بين العناصر المتفرقة داخل المنظومة الإسلامية، حيث أولى اهتمامًا خاصًا بتنظيم الدين في إطار مشروع الإمامة والأمة، معتبرًا أن وظيفة القيادة هي جمع هذه العناصر وربطها ضمن رؤية واحدة.
المثلث الذهبي: العقلانية والعدالة والمعنوية
وتناول أسعد مفهوم «العقلانية والعدالة والمعنوية» الذي استخلصه من كلمات القائد الشهيد، موضحًا أن العقلانية التي كان يدعو إليها ليست عقلانية مجردة، بل عقلانية تتحرر من الأهواء وتعمل في خدمة العدالة.
وأضاف أن العدالة هي الغاية الأساسية، والعقلانية هي الطريق المؤدي إليها، أما المعنوية فهي مصدر الطاقة والدافع الذي يضمن استمرار الحركة.
وقال إن القائد أوضح لهم في أحد اللقاءات الخاصة: «لا تتحركوا بلا هدف؛ حدّدوا الهدف أولًا، ثم اعرفوا الطريق، وبعد ذلك تقدموا بروح جهادية».
وأكد أن الوصول إلى العدالة لا يتحقق إلا بالجهاد وبذل أقصى درجات الجهد والإتقان.
مسؤوليتنا اليوم: حفظ التراث بالحفاظ على الأمة
وفي ختام كلمته، دعا أسعد إلى مراجعة الذات بدل الاكتفاء بالحديث عن القائد الشهيد، وقال إن الواجب الحقيقي يتمثل في العمل بما أوصى به، لا الاكتفاء بإحياء ذكراه.
وأكد أن أعظم مسؤولية تقع على عاتق الجميع اليوم هي الحفاظ على الشعب الإيراني موحدًا ومتلاحمًا ومتمسكًا بقيم الثورة والإسلام والإيمان بالله، معتبرًا أن هذه الوحدة هي أثمن تراث تركه القائد الشهيد.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن استشهاده لا ينبغي أن يكون سببًا للغفلة، بل دافعًا لفهم المرحلة الراهنة والتمسك بالتراث الذي خلّفه، وفي مقدمة ذلك الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي.
..........
انتهى/ 278
تعليقك